الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

363

نفحات القرآن

إلى أنّ الآية صرحت في النهاية : « انَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ » نعم إنّ العلماء هم الذين يدرسون أسرار الكون ويتفحصونها واحدة تلو الأخرى ، وهم الذين تكون معرفتهم السابقة أرضية خصبة لمعارفهم الأكثر والأدقّ . ج‌ج وقد تحدثت الآية الثانية عن مجاميع صغيرة مفسدة تعيش في « وادي القرى » بين قوم صالح ( على ما يقوله المفسرون ) ، وكان عددهم تسعة رهط ( أي مجموعات صغيرة ) ، وكانوا يفسدون في الأرض دائماً كما يصفهم القرآن الكريم : « وَكَانَ فِى الْمَدِيْنَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِى الْأَرْضِ » . ( النّمل / 48 ) أمهلهم اللَّه كثيراً كفرصةٍ للتوبة والرجوع إلى أنفسهم ، لكن ما زادهم الإمهال إلّاغروراً ، وكان نهاية أمرهم أن أنزل اللَّهُ عليهم صاعقة من السماء ، وزلزلة من الأرض ختمت حياتهم . يقول القرآن فيهم : « فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيةً بِمَا ظَلَمُوا » أي خالية منهم بسبب ظلمهم وطغيانهم . ثم يضيف : « إِنَّ فِى ذلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ » . إنّ عبارة : « بِمَا ظَلَمُوا » تدل على أنّ الظلم هو السبب في دمار البيوت وخرابها ، وقد نُقِل عن ابن عباس أنّه قال : إنّي وجدت هذه الحقيقة في كتاب اللَّه وهي : إنّ الظلم يهدم البيوت ، ثم تلا الآية المذكورة . وقد جاء في التوراة : « يا بن آدم لا تظلم فيُهدم بيتك » « 1 » . وينبغي الالتفات هنا إلى أنّ مفردة « خاوية » تعني - في الأصل - خالية ، إلّاأنّ كثيراً من المفسرين فسرها بالخربة ، وهذا قد يكون لأجل أنّ البيت إذا خلى وهُجِر خرِبَ وانهدم « 2 » .

--> ( 1 ) . تفسير روح المعاني ، ج 19 ، ص 194 . ( 2 ) . ذكر صاحب تفسير روح البيان معنيين لمادة ( خوى ) أحدهما الخلو والثاني السقوط والانهدام ، ومن هنا يعبر عرب الجاهلية عن النجم إذا سقط ( خوى النجم ) إلّاأنّ الظاهر أنّ المعنى الأولي لهذه المادة هو : الأول فقط ، ويستعمل تعبير ( خوى النجم ) إذا ما غرب نجم أو افل بلا مطر ( حيث كان يعتقد عرب الجاهلية أنّ طلوع كثير من النجوم متزامن مع المطر وإذا لم يكن هناك مطر استعملوا التعبير السابق لذلك النجم ) .